عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

43

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

آفة هذا المنظر : هو أنك مع اطلاعك التفصيلي على حقائق الأشياء ، لا ينزل من عالم غيبك ، إلى عالم شهادتك ، من العلوم الغيبية ، إلا ما استشرفت إلى تفصيله في عالم الشهادة ، فإذا توجهت إليه حصلت علمه عندك ، على ما هو عليه . وقد تمر بالشيء وأنت جاهل له في عالم الشهادة ، وقد حققته في عالم الغيب ، فتعلمه ولا تعلمه ، لأنك غير محيط به في محل الشهادة . وهذه هي الآفة ، وهو موضع ظهور عجز المخلوقين ، لا يحصلون فيه على غير ذلك . وما تمام الإحاطة ، غيبا وشهادة ، بسائر الموجودات إلا للّه وحده ، تفصيلا وإجمالا ، جزئيا وكليا . وهذا لا سبيل إلى استيفائه لا لملك مقرب ، ولا لنبي مرسل ، لأن اللوح المحفوظ لا يحيط به على الإطلاق ، وإنما يوجد في اللوح المحفوظ علم رقعة من الوجود ، وهو : إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، ويبقى ما وراء ذلك . وللّه علوم في الخلق ، وراء هذين المقامين : كعلوم التجليات ، وعلوم الأسرار الإلهية ، إلى غير ذلك ، مما لا يسعه اللوح ، ولا الملك ، ولا الإنسان ، بل هو من خصوصياته تعالى . وهذا هو الفرق بين مقام العز ، ومقام العجز ، فافهم ! . * * * منظر ( الإطلاق ) المطلق عبارة عن : من أطلقه اللّه تعالى في تجلياته ، فلم يتقيد مع اللّه باسم ، ولا صفة ، بل هو مع اللّه تعالى بكل أسمائه وصفاته . وفي هذا المشهد : يكون لك التمكين في التلوين ، فتتصف بما شئت من صفاته ، وتتسمى بها . فأنت ، إذا ، الحي العليم ، المريد ، القادر ، السميع ، البصير ، المتكلم ، إلى غير ذلك . فلا يقيدك اسم ، ولا صفة ، ولا تتقيد أنت ، حينئذ ، بفعل ، ولا عمل مخصوص ، بل أعمالك بحكم تجلياتك . آفة هذا المنظر : تقيدك بالمنظر الإطلاقي عن المنظر التقييدي . فأنت ، إذا ، مقيد بالإطلاق . وأيضا فالتلوين ، الذي هو عبارة عن الاتصاف ، هو من لوازم الخلق ، لا من صفات الحق . فأنت ، إذا ، مقيم في مرتبة النقص الخلقي ، وليس ذلك شأن الكمال الإلهي . فالتغيير والتلوين من خصائص البشرية ، وهي في الولي مشعرة بالبقايا . * * *